الأستاذ الدكتور/ محمود بن يوسف فجال

te8454

استاذ النحو والصرف في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً ،والمستشار في المكتب العلمي في وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد.

              بسم الله الرحمن الرحيم

                «شيخ النُّحاة في عصره»

الشيخ الأستاذ الدكتور محمود بن يوسف بن محمود فجَّال، يرتفع نسبه إلى سيدنا الحسين بن علي -رضي الله عنه- حفيد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولد في مدينة حلب عام (1939م).

نشأ منذ نعومة أظفاره مُحِبًّا للعلم والعلماء، فيقتني الكتب الكبيرة، ويلازم الحلقات العلمية، فأخذ القرآن الكريم والحديث الشريف والنحو والفقه في مدينة حلب عن كثير من العلماء، من أبرزهم العلاَّمة الشيخ محمد النبهان، والشيخ عبد الرحمن زين العابدين، والشيخ أحمد المصري، والشيخ حامد هلال، والشيخ عبد الله سراج الدين، والشيخ أسعد عبجي، والشيخ عبد الوهاب سكَّر، والشيخ سامي البصمه جي، وفي مدينة دمشق عن العلاَّمة الشيخ عبد الوهاب الحافظ الشهير بدبس وزيت، وعن العلاَّمة الشيخ إبراهيم اليعقوبي، والشيخ حسن حبنكة الميداني، وفي القاهرة عن العلاَّمة الشيخ محمد رفعت محمود فتح الله، والعلاَّمة عبد السلام محمد هارون، والعلامة الشيخ أحمد حسن كحيل.

وقد تصدَّر للتعليم في مدينة حلب في دار نهضة العلوم الشرعية، وفي الحلقات العلمية، وكان خطيبًا في مساجد عِدَّة، وبعد حصوله على درجة الدكتوراه العالمية من جامعة الأزهر ارتحل إلى المملكة العربية السعودية فدرَّس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية خمسةً وعشرين عامًا في مدينتي أبها والأحساء، ثم انتقل إلى وزارة الشؤون الإسلامية مستشارًا لمعالي الوزير الشيخ صالح آل الشيخ.

شارك في مناقشة كثير من رسائل الماجستير والدكتوراه وتحكيم الإنتاجات العلمية.

قرأ عليه آلافُ الطلاب النحو والصرف والعروض واللغة والقراءات القرآنية.

وكان منقطعًا للعلم والتعليم والدَّرس والبحث منشغلاً منهمكًا بها، كَتَبَ على باب غرفته في المسجد أيام طلب العلم: (وقتي ثمينٌ ووقتك)؛ لئلا يُضيِّع وقته أحد في غير العلم.

وصفه شيخه علامة الشام الشيخ إبراهيم اليعقوبي بوفور العقل وشدة الذكاء والجِدّ في الطب.

كان زاهدًا في متاع الدنيا، متواضعًا، ويتمثل بقول القائل:

ومـــا هي إلا جيفةٌ مستحيلةٌ عليها كلابٌ هَمُّهُنَّ اجتذابُها

فإنْ تَجْتنبها كنتَ سلمًا لأهلها وإن تجتذبها نازعتك كِلابُهــا

يُحِبُّ البحث والتأليف، وكان منزله في القاهرة كالجامعة يقصده الباحثون في الدراسات العليا للنهل من علمه وحلّ مشكلاتهم العلمية.

أهدى المكتبة العلمية عشرات الكتب والبحوث، منها كتابه (الحديث النبوي في النحو العربي)، وكتاب (السير الحثيث إلى الاستشهاد بالحديث في النحو العربي)، و(ارتكاز الفكر النحوي عند سيبويه على الحديث والأثر)، و(الإصباح في شرح الاقتراح للسيوطي)، و(القلائد الذهبية في قواعد الألفية)، و(الأساس في النحو)، و(الوافية في علمي العروض والقافية)، و(الصحيح والضعيف في اللغة العربية)، و(تخريج أحاديث الرضي في شرح الكافية)، و(الكافي شرح الهادي للزنجاني).

قال فيه الشيخ الدكتور عبد الهادي حرب قصيدة جاء فيها:

خَدَمَ الحديث بنحوِهِ   وبيانه فجزاهُ ربُّ العرش عَنْ إحسانه

تلك المآدِبُ للكرام فلا تَدَعْ أَدَبًا يفوتك وانْحُ   نحو جِفاته

فعسى الذي خطَّ الهُدى بيمينه ألا  تمسَّ  النارُ  طَرْفَ  بنانِهِ

وقال:

يا مَنْ  رأى  مثل  المؤلفِ  صاليًا نارَ  الجوى، والناسُ      في     بُستانه

الليلُ  أسحمُ،   والمؤلفُ    شمعةٌ ضاءَتْ فلمْ تُذْهِبْ دُجَى عُمْيانِهِ

مُتَوَحِّدٌ في قومه،       مُتغرِّبٌ في   داره    وحِماهُ     عن    أوطانِهِ

الحِبْرُ من أصحابه، والطرس  مِنْ  أحبابه،       والكُتْبُ  من    خُلانهِ

والحقُّ من جلسائه، والعلمُ    مِنْ   خلصائِهِ،    والفكر      من   نُدمائِهِ

يقضي الليالي في الفنون      مُنقِّبًا  والنوم لم   ُنكِر       سِوى   أجفانِهِ

متقلبًا في   الساجدين   فإن   شدا  طيرُ الصباحِ    على   ذُرى  أغصانِهِ

أَلْفَيْتَهُ مُتَخَشِّعًا،    متضرعًا  في الفجر     مُنحنيًا    على   قُرآنِهِ

وقال:

وعِمَامَةُ  العلماء فوق جبِيْنِهِ تاجٌ يَشِعُّ   النور من عِقْيانِهِ

وإذا رأيتَ  جُنُوده   وبُنُودَهُ ستقولُ: ما كِسْرى على إيوانِهِ

انتقل إلى رحمة الله تعالى ظهر يوم الخميس الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة 1437هـ، وصُلِّي عليه في جامع الراجحي بمدينة الرياض، ووري جثمانه الثرى في مقبرة النسيم وزخَّات المطر اللطيفة تتساقط، والسماء ملبدة بالغيوم.

وقضى ليلة وفاته مع أبنائه يقرأ سورة تبارك، ثم استيقظ قبيل الفجر يصلي القيام، ويقرأ القرآن، ثم صلى الفجر واستمر في قراءة القرآن، ثم جلس على مكتبه يصحح تجربة الطباعة لكتابه (الكافي شرح الهادي للزنجاني)، ووصل في التصحيح إلى الآيات التالية: (وترى الجبال تحسبُها جامدةً وهي تمرُّ مرَّ السَّحاب)، (وَعْدَ الله حقًّا)، (إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنَّات النعيم خالدين فيها)، (فأقم وجهك للدين حنيفًا)، ثم نادى المنادي إلى صلاة الظهر، فقام من مكتبه ووصل إلى المجلس جالسًا على كرسيه في موضع صلاته، وفي ثوانٍ خرجت الروح الطاهرة ملبية نداء ربها.

سَكَنَ  الفؤادُ  فعِشْ  هنيئًا يا جَسَدْ هذا  النعيم  هو  المقيم  إلى   الأبد

أصبحت في كَنَفِ الحبيب ومَنْ يكن جارَ الحبيبِ فعيشُهُ  العَيْشُ  الرَّغَدْ

عش  في   أمان   الله   تحت  لوائِهِ لا خوف في هذا الجَنَابِ ولا  نَكَدْ

نعاه أبناؤه وطلابه ومحبوه شعرًا ونثرًا، وأُعلنت وفاته في الصحف والقنوات الفضائية ومواقع الأخبار في الشبكة العالمية، وضجَّت مواقع التواصل الاجتماعي بتناقل نبأ رحيله، وعلا عنوان (من المِحْبرة إلى المِقْبَرة) بالخط الطُّغَرَاء الصحف.

وقد قضى ستةً وسبعين عامًا في كراريس العلم والبحث، وكان يتمثل بقول الإمام الشافعي:

سهري لتنقيح العلوم ألذُّ لي

مِنْ وَصْلِ غانيةٍ وطيب عناق

وصرير أقلامي على صفحاتها

أحلى من الدوكاء والعشاق

وتمايلي طربًا لجعل عويصة

في الدرس أشهى من مدامة ساق

وأَبِيْتُ سهران الدُّجى وتَبِيْتُهُ

نَوْمًا وتَبْغِي بعد ذاك لحاقي

قال فيه الشيخ محمد أبو الهدى اليعقوبي:

(بدر السماء تبدى اليوم مكتئبا

ينعي المكارم والأخلاق والأدبــا

ينعي إمامًا علا في العلم منزلة

فوق السِّماك تُسامي الأنجم الشهبا

بحر البيان إمام النحو ذو أدب

جمٍّ وفضل به قد جاوز السحبــا

فلتبك محمودَ هذا اليوم مكتبة

من التآليف فيها العلم قد كُتِبــا

فلتبك محمود اليـوم كوكبة

من التلاميذ صاروا سادةً نجُبـا

عليه رحمات الله صيبهــا

تسقي ثراه بغيث سح منسكبـا)

وقال معالي الوزير الشيخ صالح آل الشيخ- الرياض: (صحبناه ثلاث عشرة سنة فلم نرَ ما يؤخذ عليه، وكان جادًّا بلُطف).

وقال الدكتور عبد الله بن محمد بن حميد- أبها: (أحسن الله عزاءنا جميعًا في العالم الجليل والنحوي الأصيل وبقية السلف الصالح، صاحب الأخلاق الفاضلة والشمائل السامية، والعلم الغزير، والخط الجميل، والخلق الرفيع، معروفًا بسمته الإسلامي العريق، وعمامته التي تعلو هامته الطاهرة، يأسر القلوب بأبوته وحنانه وتوجيهاته السديدة).

وقال الشيخ هشام بن عبد الكريم الألوسي- العراق: (انغمس بقلوبنا حبٌّ عميقٌ لشخصه، وتَرَكَتْ لنا وفاتُه خَطْبًا جَلَلاً ، وأَلمًا وحزنًا شديدًا لفقده، وأَحْدَثَ رحيلُه ثُلْمَةً لا تُسَدُّ، وفجوةً لا يملؤُها غيره،   نعم فجعتنا المصيبةُ وأَلْهَبَتْ صدورَنا، وكيف لا نحزنُ على بَدْرٍ اختفى وجوهرٍ لا يتكرر؟!

وهل حزننا عليه لكونه صاحب مؤلفات كثيرة وعلوم غزيرة، وأنه يحمل شهادات عليا ويمنحها أم هناك سر آخر؟ فأقول: نعم هناك سرٌّ تخلل ذاتَه، وتشربَتْ به ذراتُه، وطَغَتْ به حياتُهُ نورًا وجاذبيةً وعلومًا ومعارف لَدُنيَّة، وكلنا أَمَلٌ أنْ نحذو حذوه مع كونه ضرب من الخيال).

وقال الدكتور عثمان عمر المحمد- دبي: (نعزي أنفسنا، ونعزي آل بيت النبوة وأمتنا الإسلامية بفقيدها العالم العامل الحسيب النسيب، معدن التقى، وبيت الكرم والجود والتواضع. كان من تواضعه -رحمه الله- لا يعلن أنه من قبيلة الويسات المنتسبين لسيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم).

وقال الشيخ محمود العبيد- الدمام: (إنَّ العين لتدمع، وإنَّ القلب ليحزن، وإِنَّا لفراقك يا أبا محمد لمحزونون، نعم فَقَدْنَا عالماً من علماء اللغة العربية العظماء، فَقَدْنَا كنزًا من الكنوز المباركة، فَقَدْنَا دُرَّةً كريمة، وجوهرةً ثمينة غالية، نعم إنه لمصاب جلل لنا ولطلاب العلم خاصة وللإمة الإسلامية عامة، وإنَّ في انتقاله ثلم في الإسلام ثلمة لا يَسْتَدُّها إلا خَلَفٌ منه).

وقال الشيخ أحمد خضير- دبي: (ماذا نقول والعين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الربَّ -جلَّ في عُلاه-، وأعتقدُ يا فضيلة الراحل أنَّ أحبابك تظهر عليهم آثار الحزن والأَسى، ولكن أنت دخلت عالم الروحانيات، وعالم اللطائف، وعالم الأسرار، فارقت الجسد الذي كان ثوبك، الذي كان من عالم الشهادة، والآن عُزِلْتَ عنه، وانتقلت منه، وصِرْتَ في عالم مثاليٍّ، وكأنك تقول كما قال الإمام الغزالي -رحمه الله- في قصيدته عند موته التي وُجِدَتْ تحت وسادته يعزي إخوانه:

قل لإخواني رأوني ميتًا

فبكوني ورثوا لي حزنًا

أتظنون بأني ميتكم

ليس ذاك الميت والله أنا

أحمد الله الذي خلصني

وبنى لي في المعالي سكنا

كنت قبل اليوم ميتًا بينكم

فحييت وخلعت الكفنا

وأنا اليوم أناجي ملأ

وأرى الله جهارًا علنا

قد ترحلت وخلفتكم

لست أرضى داركم لي وطنًا

لا تظنوا الموت موتًا إنَّهُ

لحياة وهو غايات المنى

ثم قال :

لا تَرُعْكُمْ هجمةُ الموت فما

هو إلا نقلة من ها هنا

ثم قال :

فارحموني ترحموا أنفسكم

واعلموا أنكم في إثرنا)

وقال الدكتور إسحاق السعدي- الرياض: (كان الشيخ رحم هالله يتمتع بإحساس مرهف وشعور فيَّاض، يولي طلابه عنايةً خاصةً واهتمامًا أبويًّا نبيلاً، ويتعامل معهم بثقة تامة وتواضع مُبهر).

وقال الدكتور عبد المجيد العمري- الرياض: (أهدى إليَّ كتابًا قيِّمًا أَلَّفَهُ في سيرة نبينا محمد بن عبدالله –صلى الله عليه وسلم- وعنوانه :«الخلق العظيم في حروب الرسول الكريم»، تناول فيه أخلاقَ الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الحرب، وأكَّدَ أنَّ خلقَهُ الفاضلَ ما يزال يؤتي ثمارَه، ويعطي النتائج الصادقة عن خلق نبينا، عليه الصلاة والسلام).

واللهَ أسألُ أن يرحم والدي رحمةً واسعةً، ويغفر له، ويجزيه عن أبنائه وطلابه والمسلمين خير الجزاء، ويجعل قبره روضةً من رياض الجنان، ويجعله من أهل (اِقْرأ وارقَ)، ويجمعنا به في جنات النعيم مع الصالحين والأنبياء، وأن يخلف في عقبه خيرًا، وصلى الله علي سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجميعن.

كتبه/ الفقير إلى لطف المتعال محمد بن محمود فجَّال

الرياض، الثلاثاء 17 ربيع الأول، سنة 1437هـ